الشيخ محمد رشيد رضا

334

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أو في هذه المكانة التي هي منزلة الملائكة لأنها مكانة الامتثال والطاعة . والكبر اسم للتكبر وهو مصدر تكبر أي تكلف أن يجعل نفسه أكبر مما هي عليه أو أكبر ممن هي في ذاتها أصغر منه ، وقد ورد في الحديث الصحيح تفسير الكبر بأنه « بطر الحق وغمط الناس » رواه مسلم وغيره وهو تفسير له بمظهره العملي الذي يترتب عليه الجزاء وهو أن لا يذعن للحق إذا ظهر له بل يدفعه أو ينكره تجبرا وترفعا ، وأن يحت غيره بقول أو عمل يدل على عدم الاعتراف له بمزيته وفضله . أو بتنقيص تلك المزية بادعاء أن ما دونها هو فوقها سواء ادعى ذلك لنفسه فرفعها على غيرها بالباطل أو ادعاه لغيره بأن يفضل بعض الناس على بعض بقصد احتقار المفضل عليه وتنقيص قدره . فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ هذا تأكيد للامر بالهبوط متفرع عليه . أي فأخرج من هذا المكان أو المكانة . وعلل ذلك بقوله على طريق الاستئناف البياني : ( إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) أي أولي الذلة والصغار ، أظهر حقيقتك الامتحان والاختبار الذي يميز بين الأخيار والأشرار ، باظهاره لما كان كامنا في نفسك من عصيان الاستكبار . ( ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) وقال بعضهم إنه تعالى جازاه بضد مراده إذ أراد أن يرفع نفسه عن منزلتها التي كانت فيها ، فجوزي بهبوطها منها إلى ما دونها ، كما ورد في بعض الأخبار من أن اللّه تعالى يحشر المتكبرين يوم القيامة بصورة حقيرة يطؤهم فيها الناس بأرجلهم كما أنه يبغضهم إلى الناس في الدنيا فيحتونهم ولو في أنفسهم - وهذا التوجيه أليق بقول من جعل الامر للتكليف ولكن الحافظ ابن كثير جرى عليه بعد جزمه بالقول بأنه للتكوين واقتصاره عليه قال : « يقول تعالى لإبليس بأمر قدري كوني فاهبط منها بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها . قال كثير من المفسرين الضمير عائد إلى الجنة . ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها من الملكوت الاعلى ( فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) أي الذليلين الحقيرين . معاملة له بنقيض قصده ، ومكافأة لمراده بضده ، فعند ذلك استدرك اللعين ، وسأل النظرة إلى يوم الدين » * * * قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي قال بلسان قاله على التفسير الأول - أو لسان حاله واستعداده على الآخر : رب أخرني وامهلني إلى يوم يبعث آدم